أبي حيان الأندلسي

47

البحر المحيط في التفسير

وأفضل الأعمال وأدل الدلائل على الاستمساك بشريعة الإسلام ، بإتمام النعمة السابقة ، بإرسال الرسول المتصف بكونه منهم إلى سائر الأوصاف التي وصفه تعالى بها ، وجعل ذلك إتماما للنعمة في الحالين ، لأن استقبال الكعبة ثانيا أمر لا يزداد عليه شيء ينسخه ، فهي آخر القبلات المتوجه إليها في الصلاة . كما أن إرسال محمد صلى اللّه عليه وسلم هو آخر إرسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إذ لا نبي بعده ، وهو خاتم النبيين . فشبه إتمام تلك النعمة ، التي هي كمال نعمة استقبال القبل ، بهذا الإتمام الذي هو كمال إرسال الرسل . وفي إتمام هاتين النعمتين عز للعرب ، وشرف واستمالة لقلوبهم ، إذ كان الرسول منهم ، والقبلة التي يستقبلونها في الصلاة بيتهم الذي يحجونه قديما وحديثا ويعظمونه . رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ : فيه اعتناء بالعرب ، إذ كان الإرسال فيهم ، والرسول منهم ، وإن كانت رسالته عامة . وكذلك جاء هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ « 1 » ، ويشعر هذا الامتنان بأنه لم يسبق أن يرسل ولا يبعث في العرب رسول غير نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولذلك أفرده فقال : رَسُولًا مِنْهُمْ « 2 » ، ووصفه بأوصاف كلها معجز لهم ، وهي كونه منهم ، وتاليا عليهم آيات اللّه ، ومزكيا لهم ، ومعلما لهم الكتاب والحكمة وما لم يكونوا يعلمون . وقدم كونه منهم ، أي يعرفونه شخصا ونسبا ومولدا ومنشأ ، لأن معرفة ذات الشخص متقدمة على معرفة ما يصدر من أفعاله . وأتى ثانيا بصفة تلاوة الآيات إليه تعالى ، لأنها هي المعجزة الدالة على صدقه ، الباقية إلى الأبد . وأضاف الآيات إليه تعالى ، لأنها كلامه سبحانه وتعالى ، ومن تلاوته تستفاد العبادات ومجامع الأخلاق الشريفة ، وتنبع العلوم . وأتى ثالثا بصفة التزكية ، وهي التطهير من أنجاس الضلال ، لأن ذلك ناشئ عن إظهار المعجز لمن أراد اللّه تعالى توفيقه وقبوله للحق . وأتى رابعا بصفة تعليم الكتاب والحكمة ، لأن ذلك ناشئ عن تطهير الإنسان ، باتباع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيعلمه إذ ذاك ويفهمه ما انطوى عليه كتاب اللّه تعالى ، وما اقتضته الحكمة الإلهية . وأتى بهذه الصفات فعلا مضارعا ليدل بذلك على التجدد ، لأن التلاوة والتزكية والتعليم تتجدد دائما . وأما الصفة الأولى ، وهي كونه منهم ، فليست بمتجددة ، بل هو وصف ثابت له . وقد تقدم الكلام على هذه الأوصاف في قوله : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ « 3 » بأشبع من هذا ، فلينظر هناك .

--> ( 1 ) سورة الجمعة : 62 / 2 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 129 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 129 .